فخر الدين الرازي

60

تفسير الرازي

* ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) * . هذه الآية هي الحجة الثانية في هذا الموضع على صحة مذهبنا في مسألة خلق الأفعال وإرادة الكائنات وتقريره من وجوه : الأول : أنه تعالى بين باللفظ الصريح أنه خلق كثيراً من الجن والإنس لجهنم ، ولا مزيد على بيان الله . الثاني : أنه تعالى لما أخبر عنهم بأنهم من أهل النار ، فلو لم يكونوا من أهل النار انقلب علم الله جهلاً وخبره الصدق كذباً وكل ذلك محال والمفضي إلى المحال محال ، فعدم دخولهم في النار محال ، ومن علم كون الشيء محالاً امتنع أن يريده ، فثبت أنه تعالى يمتنع أن يريد أن لا يدخلهم في النار ، بل يجب أن يريد أن يدخلهم في النار ، وذلك هو الذي دل عليه لفظ الآية . الثالث : أن القار على الكفر إن لم يقدر على الإيمان ، فالذي خلق فيه القدرة على الكفر ، فقد أراد أن يدخله في النار ، وإن كان قادراً على الكفر وعلى الإيمان معاً امتنع رجحان أحد الطرفين على الآخر لا لمرجح ، وذلك المرجح إن حصل من قبله لزم التسلسل ، وإن حصل من قبله تعالى ، فلما كان هو الخالق للداعية الموجبة للظفر ، فقد خلقه للنار قطعاً . الرابع : أنه تعالى لو خلقه للجنة وأعانه على اكتساب تحصيل ما يوجب دخول الجنة ، ثم قدرنا أن العبد سعى في تحصيل الكفر الموجب للدخول في النار ، فحينئذ حصل مراد العبد ، ولم يحصل مراد الله تعالى ، فيلزم كون العبد أقدر وأقوى من الله تعالى ، وذلك لا يقوله عاقل والخامس : أن العاقل لا يريد الكفر والجهل الموجب لاستحقاق النار ، وإنما يريد الإيمان والمعرفة الموجبة لاستحقاق الثواب والدخول في الجنة ، فلما حصل الكفر والجهل على خلاف قصد العبد وضد جهده واجتهاده ، وجب أن لا يكون حصوله من قبل العبد ، بل يجب أن يكون حصوله من قبل الله تعالى .